دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
خيال له مثيل في الواقع،شارون بطلا للرواية
غلاف رواية احداث في نيفاريا
نشر بتاريخ: 2013-02-09

 خيال له مثيل في الواقع،قراءة في رواية "احداث نيفاريا" شارون بطل الرواية؟؟؟؟

 

أحداث نيفاريا

( رواية ويليام أ. كوك، ترجمة سعاد قرمان، دار الشروق للنشر والتوزيع. ط1- 2010. رام الله فلسطين وعمان الأردن.)

                                                                                                                                                             وليد الفاهوم- الناصرة.

     الزمان في حدود سنة 2007 والمكان البلدة القديمة في القدس الشرقية قرب المسجد الأقصى، ثم مستشفى الحكومة هداسا- عين كارم، ومن بعد بلدة أريحا ومخيم عقبة جبر. وقد جاءت أسماء هذه الأماكن بلغة الترميز والإستعارة والتمويه... يحدثنا الكاتب عن أسوار البلدة القديمة وعن أقدم مسجد وعن الجنرال ديماس (شارون ملك الجحيم-  و. ف.) والجنرالات فالا وإشكا وهارتسيا اللذين لا وجود لهم في الحقيقة، إنما هم أبطال قصة خيالية وإن "أي تشابه فيها لحوادث حقيقية أو أشخاص أحياء أو أموات ما عدا التقديم المجازي هو من محض الصدفة." وكل ذلك تحايلًا.. حتى يفلت المؤلف كوك من ملاحقة وعسف سلطة القانون الأمريكي، ومن تهمة القدح، وكذلك هروبًا  من ضغط وملاحقة اللوبي الصهيوني المتنفذ في أمريكا، والذي يخافه حتى أعضاء الكونغرس وأعضاء مجلس الشيوخ وعلى رأسهم "الإمبراطور"- الرئيس الأمريكي الطامح لرئاسة ثانية.

لذلك ومنذ البداية يرى القارئ أنه أمام نص مأزوم.. وهذه صفة ايجابية،  تمزقه الأزمات لكن تثلمه الروتينيّة.. ومع ذلك تشفع له جُرأة الطرح . فهو أولاً وقبل كل شيء نصٌ مكتوبٌ لعموم الشعوب الأمريكية، مناقض لعقلية المسيحيين الصهاينة المتحكّمة في السياسة الرسمية. فهو عبارة عن صوت صارخ في البريّة لا بدّ منه. والرواية عبارة عن كتاب أسود ضد جرائم الحركة الصهيونية حيال الفلسطينيين منذ تولّى الجنرال شارون رئاسة الحكومة الإسرائيليّة وما قبله وما بعده.

والرواية أيضا تعرّي هذه الحركة ومُريديها وتتنبّأ بمصيرها المحتوم... وأخيراً.. جميلٌ جدّاً أن يخرج من أمريكا رجل صالح.. طيّب الى حد السذاجة بسيط بريء مثل حبّة الحنطة.. رائع أن يخرج عاقلٌ من بلاد ذات سياسات مجنونة قاسية شرسة. يحكمها ويتحكم فيها رأس المال والغربنة المتوحشة. جميل أن يظهر الأمريكي الجميل مقابل الأمريكي البشع الذي يقدّس القوّة. جميل أن نسمع مثل هذه الأصوات في أمريكا.

 تحدثنا هذه الرواية المتخيّلة عن جنرال يدعى ديماس يقبع في المستشفى الحكومي فاقداً للوعي، على إثر جلطة دماغية منذ (13) شهراُ. و... "كان مرور الزمن يعني قليلاً للمريض. وبالتدريج أصبح إهمال المسؤولين في الحكومة وزملائه في الحرب ورؤساء الأديان وحتى عائلته لا يهمه . مرّت أسابيع قبل أن يلاحظ تناقص عدد زوّاره، أسابيع كان خلالها يظن أنه لا يزال في الحكم وأن عودته للسلطة وشيكة.." (ص 21)

وتمر الأيام حقيقة ولا زال رئيس وزراء اسرائيل الأسبق أريك شارون (أريئيل أسد الله)- خارج الرواية- ومنذ ما يقارب الأربع سنوات يصارع الموت ويتعارك معه فلا هو حيٌّ ولا هو ميّت.. حتى كتابة هذه السطور.

ومن خارج الرواية أيضا لا بدّ   أن  يعلم  القارئ   أن شارون هو اسم ملك الجحيم الذي يتحكم بالعالم السفلي ونهر ستيكس.. نهر العبور المضني.. النهر العظيم، كثير الأهوال وأعظم أنهار جهنّم بحسب الأسطورة الإغريقيّة. وهو ديماس بحسب الرواية المتخيّلة الذي حكم دولة نيفاريا التي تقدّس القوة والمحارب القوي الشرس والمتعجرف، وتحتقر الضعف والخرافة على الرغم أنها قامت على أساس الأسطورة وإستغلال الإيمان الديني.

وديماس هذا يعترف أمام الله من خلال الغيبوبة أنه لم يغالط نفسه وهو الذي أمرهم بذبح أولئك الأبرياء المحتجزين في المخيمات شيوخاً وأطفالًا ونساء. وهو الذي ابتهج بوحشيّة جنوده (ص 46) وهوالقائل بدون تصويت للكلمات: "القساة يحكمون والبلهاء يتبعون." (ص51) وهو الآمر: "صعّبوا حياتهم كي يرحلوا" (ص52).. وهو الذي يفهم عقلية النيفاريين (لأنه منهم) الإستعلائية، فهم "شعب الله المختار وشعب فوق الجميع". وإن شعور الخوف من الأغيار مبني على الكراهية والحقد والأنانية والشهوة، وأن الرحمةَ ضعفٌ،  وهو يحتقر الضعف (ص82)، ويعبد القوة التي لا ترى الرحمة (83). وهو الذي قضى حياته في محاربة الأليوسيين ومحاهم من وعيه ونفى عنهم صفة الإنسانية لأنهم " وباء عالمي من الحشرات" والإرهابيين. (ص84)... هو الذي كذب على "الإمبراطور" وعلى مرؤوسيه وعلى الصحافة. (ص85). هو الذي إعتمد الأسطورة التوراتية لخدمة الواقع، ليس لأنه يؤمن بها إنما لكي يحقق ذاته وذوات مواطني نيفاريا القائمة على الحراب منذ نشأتها وعلى خلفية التوراة بالمفهوم الصهيوني. (ص95) وعلاوة على كل ذلك يعترف أنه الطاغية الذي انتخب ديموقراطيًا وإنه العسكري المدجج بالسلاح من رأسه حتى أخمص قدميه.

     هكذا تستمر الرواية الخيالية هذه.. غير البعيدة عن الواقع في عدة مواقع. يسوق القدر لهذا المريض ممرضة من الأليوسيين، تتفانى في تمريضه والإعتناء به. إنها هوميليا (من كلمة هوم – بيت أي من المواطنين الأصليين للبلاد الأليوسية.. من إيليا أو يبوس أو أور سالم أو أور شاليم أو القدس)...

حيث تعتني به هوميليا هذه هي وصديقتها كاريتا الأليوسيّة أيضاً.

     وهنا علينا أن نلاحظ أنه ليس بالضرورة أن تتطابق جغرافية المكان في الخيال مع الواقع، حيث أن الرواية أو المسرحية في الأصل هي لعبة الإيهام والواقع. وكيف إذا كانت الرواية متخيّلة أصلًا.

     يستهل الكاتب هذه الرواية- وتحت عنوان قصة أخلاقية- بظروف بطلها السلبي "وهو يرقد في عيبوبة في مستشفى الحكومة بدل أن يترأس الحكومة" (ص16) ويصفه أنه " لا يستطيع التواصل مع أحد " (ص 17) ولا يحس بمرور الزمن كما جاء . (ص21)

     تواصله الوحيد مع العالم الخارجي هو من خلال هوميليا التي تشعر بإسمئزاز حيال هذا الرجل المعتمِد على رعايتها، الغافل عن وجودها.. وهوميليا هذه تحارب مشاعرها السلبية نحوه لأن إيمانها لا يسمح لها بالكراهية، رغم أن جنوده هم الذين تسببوا بكساح والدها. (ص29) هي تعيش مع جدتها قرب المسجد في البلدة القديمة وأهلها يعيشون في "جويا" وهي جريكو أي أريحا.

ذات صباح تسمع هوميليا  كبير الأطباء وهو يشرح لتلاميذه وضعية المريض- الدم المتخثّر يضغط على دماغه يشلّه تماماً- "لا حركة بالمرة. لقد تحول إلى كائن يتنفس بدون منطق ورد فعل أي كان. لا لزوم لإبقائه على قيد الحياة، إلّا إحتراماً لمركزه السابق. إهدار المال والجهد. ولكن هذه ليست مسؤوليتي، فالسياسيون يحصلون على حق وجودهم." (ص43)

هوميليا تصارع ذاتها،لا تدع الكراهية تتغلب عليها. شقيقها العامل في مجال حقوق الإنسان يدعمها على الرغم من كل شيء.. وعلى الرغم من عمله السري في هذا المجال بسبب المضايقات التي يتعرّض لها... لم تره منذ خمس سنوات. يقول لها: "حافظي على حالك وابقي كما أنت"! (ص 111)

المريض يخاطبها أو هكذا هي تتخيل أو هكذا يتخيّل الكاتب :"يا ملاكي، أيّة سخرية هذه؟" (ص116) أهي مأساة أم ملهاة، أن تعتني الضحية بالقاتل؟ يتابع المريض:" أتمرغ في ماضيّ البربري... بلا حب، معزول، مبعد عن الجنس البشري- ملعون لأرى من خلال عينيك، عيني ضحيتي! أقصى السخرية اللا معقولة لمصير أنكر وجوده. أن أتجول في ظلام فكر لا يتجاوب مع الآخر، يدمر الشيء الوحيد الذي يعطي معنى لوجودي." (ص119) وهنا يبلغ الكاتب قمة المأساة/ الملهاة.. في تصوير عقم الحركة الصهيونية.. وعقم حُجّاج نيفاريا- المستوطنون العابرون في كلام عابر كما وصفهم محمود درويش.

فالحاج يزور الأمكنة المقدسة ثم يعود ويرحل. هم يعتقدون أنهم "فوق الجميع" ولا يحاسبهم أحد. والجنرال المنتصر يرى فيما يرى النائم اولئك الحجاج " كحشرات تغزو كومة كبيرة من النفايات... تتحول مسيرة نصره في الشوارع الى جنازة... " (ص121) و ... "الحجاج ينزلقون ... في الهوّة التي خلّفها الجدار وحيث تنزلق وسبيريا، (وهي على ما أعتقد القدس الغربية فاقدة الروح والأمل! و.ف.) باعثة من الأسفل غيوماً من الغبار. ويُسمع نواح المؤمنين وهم يرتمون في الهاوية التي تنادي الحُجّاج الى مصيرهم المحتوم" (ص123- 124 )  و ... "في الهاوية تغرق نيفاريا." (ص126) فهل هذه رؤية جهنمية يراها المريض فاقد الوعي منذ أربع سنوات أم أنها رؤيا المؤلف؟ من الملفت للنظر أو من غير الملفت للنظر أن أقرأ اليوم عن مقالة كتبها جلعاد شارون بن أريك في صحيفة يديعوت أحرونوت فيها يدعو إلى حرق العرب ... من شابه أباه فما ظلم ! لا والله ظلم نفسه أولًا وآخرًا.

     أخيراً لا بد من ملاحظة محبة للمؤلف، أننا نحن كفلسطينيين ندرك أن شعبنا ليس شعباً معقّماً أو شعباً مثالياُ مثل "ملاك الرحمة هوميليا".. وأننا لسنا بأفضل الشعوب لكن ما من شعب أفضل منّا.

شكراً له.. وشكراً للكاتبة الشاعرة المعلمة سابقًا المتعلمة دائمًا سعاد قرمان على ترجمتها الرائعة بسبب إمتلاكها ناصية اللغتين الإنجليزية والعربية.. وشكراً للشروق التي أتاحت لقراء العربية هذه الفرصة.