دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
عبد عابدي .. "عزيز حيفا" ونصف قرن من الإبداع
نشر بتاريخ: 2013-02-23
بقلم د. سميح مسعود*

عبد عابدي ، فنان فلسطيني من حيفا، قدم على امتداد نصف قرن مجموعة كبيرة من الأعمال الإبداعية في عدة مجالات فنية ، في مقدمتها الرسم التشكيلي والنحت،  إختار مواضيعها من ذاكرة المكان، وأنجزها بقدرة لا تجارى ،بمزيجمن مشاعره الذاتية والتخيل والزخرفة المرئية، حول فيها أفكاره المجردة وكل ما يحس به تجاه وطنه وشعبه إلى أعمال غاية في الدقة والتعبير، تثير في الرائي متعة الفن الأصيل.

تعرفت على الفنان عبد عابدي قبل فترة قصيرة من الزمن ، لم ألتق به شخصياً ، هاتفته عدة مرات واسحضرت معه في أحاديثنا صورا ً كثيرة لمدينتنا الحبيبة حيفا ما قبل النكبة ، مشحونة بمعان وطنية لا تضاهى ، تمزج الواقع بالذكرى ... تعبق بالماضي والحاضر معاً .

تصفحت موقعه  الشخصي على شبكة الانترنت ، تنقلت عبر صفحاته صفحة تلو أخرى ، وجدتها تشع بجاذبية تلفت النظر إلى أعمال فنية مميزة ، لوحات لونية مفعمة بمرئيات ومحسوسات جميلة ، و مجسمات و منحوتات رائعة ومدهشة ، على درجة عالية من الإتقان يشع منها عمق إبداعه الفني .

إزداد تعرفي بفنه من خلال زياراتي  المتكررة لموقعه ، وجدته يربط في أعماله ربطاً محكماً بين الخيال والواقع ، يظهر هذا الربط بجلاء في مضمون أعماله الفنية وفي أشكالها الكاملة ، يظهرها في وحدة فنية ممزوجة بمحتويات مرئية للمكان ، بحقائق عامة تتناغم مع الوعي الجماعي للوطن ، يُرسخ فيها وضوحية الزمان والمكان والأحداث التاريخية، بما يثير في نفس المشاهد لأعماله الحنين لزمن مضى ، والشعور في الوقت نفسه بمأساة النكبة  الفلسطينية على مستويات عدة ، في داخل الوطن المحتل، وفي خارجه على امتداد منافي الشتات .

وهكذا تجمع  أعماله ما بين العواطف الوطنية وجمال الزخرفة الفنية المرئية ، يوشمها بخطوط وألوان وهاجة ، ويظهرها باشكال رائعة الجمال تختلط فيها الوجوه بتراب الارض بامتدادات واتساعات تعبيرية ، تضفي على الحقائق الفلسطينية طابعاً خاصاً يسخو بالتأمل والمشاعر .

أول ما يلاحظه الزائر لموقعه ، هو وفرة أعماله الإبداعية في مجال الرسم والنحت ، وشدة التصاقه بمدينته حيفا التي ما زال يعيش فيها حتى الأن ، يتابعها في أعماله ببريقها وامواجها وحاراتها وكرملها وبيوت أهلها الذين رحلوا عنها وتاهوا في أغوار النكبة المعتمة .

 أهم ما شاهدته في موقعه عن مدينته الأثيرة إلى قلبه ، لوحة استوحاها من سقوط حيفا ، غلفها بمعانِ ماساوية تدل على حساسيته المفرطة تجاه احتلالها ونكبة أهلها ،سماها " ساعة سقوط حيفا " تحمل تاريخسقوطها في يوم 22-4-1948، استوحاهامن يومٍ حزينٍ ، ومن حدثٍ محتشد ٍ بالموت ، وبرحيل أهل حيفا تحت تاثير سطوة هزيمة قاهرة لم ترحم أحداً ، عرَف عبد عابدي هذه الساعة في موقعه بأنها "عبارة عن ساعة قديمة لا تقرع أصواتها ، كما الحال في ذلك اليوم المشؤوم من حياة الفلسطينيين في حيفا ، بقيت عقاربها كما هي لم تواصل العمل ."

ثمة ومضات ساطعة تضئ أعمال فنية وطنية أخرى له برؤى بصرية تمس شغاف القلب ، لا تهتم بمدينته حيفا فقط ، بل بالقضية الفلسطينية بكل تفاصيلها ، منها رسومات قصص "النكبة وما نسينا" ،ورسومات أخرى كثيرة تتوالى في موقعه استقاها من واقعه المعيش،تدل على ارتباطه بما يجري حوله ، وعلى قدرته في البحث عن الكوامن في قضيته الوطنية ، وفي إعادة تجسيد الألم الجماعي في رسومه بألوان شفيفة ، تتمازج مع ظلال خطوط  تترقرق في مساحات واسعة من الضوء .

ولعشقه نبض الحياة في مدينته، التصقفنه بالحركة الادبية الفلسطينية ، زين برسوماته إصدارات مهمة لعدد من المبدعين ، منهم الراحل الأديب الكبير إميل حبيبي والشاعر سميح القاسم والاديب سلمان ناطور، رسم رسومات كتاب حبيبي الشهير "اعتقال سعيد أبي النحس المتشائل " وله رسمة مهمة رسمها خصيصأ لقصة إميل حبيبي" بوابة مندلبوم "... البوابة التي كانت نقطة العبور الوحيدة بين شطري القدس حتى عام 1967،والتي جسدت بمؤثرات مأساوية تقسيم القدس وتقسيم الشعب الفلسطيني بعد النكبة .

ورسوماته السابق ذكرها حول قصص "النكبة وما نسينا" ، رسمها خصيصاً لسلسلة قصص الأديب سلمان ناطور "وما نسينا" ، عكس فيها فضاءات جغرافية فلسطينية ، ووجوه وشوارع وحارات من حيفا منها حي الكنائس الذي ولد فيه ، أفرغ فيها ما تختزنه ذاكرته من تفصيل دقيق للمكان في أجواءٍ مشحونةٍ بتداعيات النكبة، وممزوجةٍ بأجزاءٍ من سيرته الذاتية وسيرة أسرته وسيرة غيره من أهل مدينتهفي كل لا يتجزأ.

وله في هذا المنحى تجربة مع الشاعر سميح القاسم أيضاً ، ذكرها الشاعر الكبير في مقالة نشرها يقول فيها " منذ بداية الطريق, لفتت نظري ريشة عبد عابدي , بما اقترحته من استثنائية مميزه , ويوم طلبت منه لوحة لغلاف مجموعتي الشعرية الثانية أغاني الدروب في العام 1964 , فقد لبى الطلب بحماس وبمحبة لأنه أحس وأدرك مدى الانسجام الإبداعي بين ريشته المغموسة في الوجع القومي والوطني والإنساني للشعب العربي الفلسطيني ,وبين ألقصيدة المفعمة بهذا الوجع, وجاءت لوحته تعبيراً قوياً وعميقاً وجميلاً عن الهاجس الشعري المتوهج في قصائد تلك المرحلة. "

فلسطينية عبد عابدي تظهر في رسومات أخرى كثيرة بتفصيلات دقيقة وتقنيات خاصة جداً ، منها  رسوم لقصيدة محمود درويش " أنا يوسف يا أبي" ،  ورسومات بعناوين عديدة منها : اللاجئون ، انتفاضة ، تكريم لحيفا ، تكريم للجليل ، ذاكرة المكان ، مجموعة الخيمة الفلسطينية لاجئون ، أنا هو الإنسان ، هذا هو الإنسان ، لاجئون في الصحراء ، نوم في الصحراء .

 ولهُ مجموعة أخرى لافتة من الرسومات، يظهر فيها مأساة الهجرة واللجوء بتعابير حزينة ، ويجسد فيها ذكريات عاشها كلاجئ وهو في السادسة من عمره ، حين هُجر مع أمه وإخوته وأخواته في عام 1948، بينما بقي والده في حيفا ، خرجت الأم واولادها إلى عكا ، ومن هناك أبحروا إلى لبنان ، نُقلوا بعدها إلى مخيم الميه وميه قرب صيدا ،ومنه رحلوا ثانية إلى دمشق ، وبعد ثلاث سنوات من الترحال بين مخيمات اللاجئين سُمح للأم وأولادها بالعودة الى حيفا عام 1951 في إطار ما سمي وقتذاك لم شمل العائلات .

من الطبيعي أن يمتزج فنه بتجارب وذكريات تلك الفترة الحزينة من طفولته في الشتات لحظة إقتلاعه من وطنه ، أعاد تركيب ما ترسب منها في أعماق ذاكرته ،  بخطوطٍ وألوانٍ ، عم فيها اللون الأسود ، حولها إلى رسومات تطفحبالأسى والحزن على مصير شعبه .

إضافة إلى تجربته الثرية في مجال الرسم التشكيلي بما فيه من ألوانٍ وخطوط وأضواء وظلال ، له أيضاً تجربة إبداعية ثرية في مجال النحت ،له منحوتات رائعة الجمال مشحونة بالنوازع الوطنية ، خلد فيها أحداثاً نضالية مهمة في الارض المحتلة ، منها نصُب تذكاري لإحياء يوم الأرض في سخنين ، ونصُب تذكاري لشهداء قرية كفر كنا ، ونصُب تذكاري لشهداءمدينة شفا عمرو ،  ونصُب تذكاري لشهداء قرية  كفر مندا .

في كلّ 30 آذارمن كل عام ، يتحوّل النُصب التذكاري  في سخنين إلى مركز لإحياء ذكرى أحداث يوم الأرض في الجليل ،كما أنه يظهر كمنبر  لمناسبات سياسيّة واجتماعية وثقافية مختلفة تطرأ من فترة إلى أخرى ، و " يتشكل هذا النصُب من تابوت باربعة أوجهٍ مغطاةٍ بمنحوتات ألومينيوم (على شكل صلصال)تظهر عليها نساء  يفلحن أرض الوطن ، إحداهن تحتضن جرة كبيرة ، وأخرى تحمل منجلا ً تحصد به ، وثالثة تبذر الحبوب ، ما يؤكد على  العلاقة بين الفلسطيني وأرضه" .

وهذا ما تؤكد عليه كلمات العبارة التي كتبت باللغة العربية بحروف نافرة  على النصُب :  "استشهدوا لنحيا ... فهم أحياء – شهداء يوم الدفاع عن الأرض 30-3-1976"  وتحت هذه العبارة  سُجلت أسماء الشهداء وبلداتهم ... شهداء من خيرة أبناء الجليل ، ضحوا بارواحهم من أجل إثبات الوجود والذات والهوية وإيقاف نهب الارض .

بهذا تمكن عبد عابدي أن يحفر اسمه مع رموز النضال الفلسطيني في الداخل ، كفنان حقيقي يحمل بحيوية عبء قضايا شعبه في كل أعماله ، وهذا هو سر إبداعه على امتداد نصف قرن من مسيرته الفنية .

وبالرجوع إلى مجمل أعماله الفنية نجد بوضوح أن موهبته لا تنحصر في مجال الرسم التشكيلي والنحت فحسب ، بل تمتد أيضا إلى مجالات فنية أخرى، ترتقي بفنه كمبدعٍ نادرإلى أفاقٍ أوسع تاثيراً ، تشتمل على فن الكاريكاتير , وتصاميم المسرح والرسوم التوضيحية في الكتب والمطبوعات الغرافيكية .

الحديث عن فناننا الكبير يطول ، والكتابة عنه لا تفيه حقه .. ويهمنيهنا إضافة لما ذكرته أن أعطيلمحة موجزة عن انتشار فنه في الساحة العالمية ، ومساهماته في معارض كبرى كثيرة في الخارج ، منها معرض أقيم في فرنسا في ذكرى تكريم النحات العالمي فولي ، عرض فيه فناننا لوحاته – بناء على دعوة خاصة - مع  لوحات أخرى لمجموعة من الفنانين العالميين من دول أوروبية ، شارك بثماني عشرة لوحة  تشكيلية بتنويعات مختلفة منها : وجه فلسطيني ، أمام الحائط ، نساء في الانتظار ، أم وابنها ، خيمة في الربيع ، وداع ، القصبة ، نساء ينتظرن تحت الشمس .. كلها تعبر عن مأساة وطنه، وعنألام شعبه ومواجعه وتمسكه بهويته الوطنية الأصيلة.

وفي مجال النحت على الساحة العالمية ، شارك مع ثمانية فنانين عالميين في إقامة نصُب تذكاري باسم " الصداقة والسلام " في بريطانية بمناسبة مرور 250عاماً على إقامة الجسر الحديدي في مدينة "أيرن بريج" البريطانية ، الذي تعتبره منظمة اليونيسكو من الإنجازات العالمية الهامة ، وقد تمت مشاركته بناء على دعوة خاصة تلقاها من المتحف البريطاني وجمعية "أبا" البريطانية .

وتجدر الاشارة إلى أن إمتداده على الساحة العربية ما زال محدوداً ، ساهم فقط في إقامة نصُب تذكاري في حديقة المتحف الوطني في عمّان ، ضمن ورشة التقى بها مع مجموعةٍ من المبدعين والنحاتين من مختلف الدول العربية .

هذا هو الفنان عبد عابدي الذي يتربع في حيفا على إحدى القمم الفنية الكُبرى، إنه ليس مجرد رسام تشكيلي ونحات فحسب ، وإنما هو أحد أعمدة الفن الفلسطيني الراسخة .. ظاهرة فنية نادرة ، استحق بما حققه من إنجازات على امتداد مسيرته الإبداعيةالطويلة الحصول عالى شهادات تقديرية كثيرة ، أهمها حصوله  في عام 2010 على وسام "عزيز حيفا " .

* الدكتور سميح مسعود،كاتب فلسطيني مقيم في كندا

عبد عابدي

ولد عبد عابدي في شباط 1942 في حارة الكنائس في البلدة التحتى من  حيفافي نيسان 1948 هُجّر من بيته مع أمّه، أخوته، أخواته، بينما بقي والده في حيفا. خرجت الأم وأولادها من حيفا إلى  عكا، ومن هناك أبحروا بعد نحو أسبوعين في سفينة متآكلة إلى لبنان في البداية تمّ وضعهم في مخيّم الكرنتينا في ميناء بيروت، ثم نُقلوا إلى مخيم الميّة وميّةقرب صيداوواصلوا طريقهم من هناك إلى .دمشق بعد ثلاث سنوات من الترحال بين  مخيمات اللاجئين، سُمح للأم  وأولادها بالعودة إلى داخل  فلسطين المحتلةعام 1951، في إطار لمّ شمل العائلات.

في عام 1962، انضمّ عابدي إلى منظّمة الرسامين والنحاتين في حيفا، وكان أوّل فنّان عربي في أعضائها. في السنة نفسها عرض أيضًا معرضه الأول في .تل ابيب عام 1964، أرسله فرع الحزب الشيوعي في حيفا لدراسة التصميم الغرافيّ، الجداريات، النحت البيئيّ والفنّ في درزدن، جمهورية ألمانيا الديمقراطيّة. مكث عابدي في ألمانيا سبع سنوات، حيث أنهى اللقب الثاني في « الكلية العليا للفنون » في درزدن وسنة تخصّص هناك. في تلك السنوات تأثّر عابدي بفنّانين ألمان مثل الفنّانة اليهودية ليئا غرونديغ التي سطع اسمها في الرسم الاحتجاجي ضد الفاشية والنازية, غيرهرد كتنر وغيرهرد هولبك.

في 1970 حصل على درجة الماجستير، وبعد ذلك تم اختياره من قبل الأستاذ المشرف جيرهارد Bondzin،وبرفقة مجموعة أخرى من الطلاب المتخرجين شارك في تمام لوحة جدارية ضخمة في قصرالثقافة Kulturpalast، الذي بني في 1968 في وسط مدينة درسدن.

عاد من دريسدن إلى حيفا في 1972 حيث عمل مصمّماً لعددٍ من المنشورات العربيّة ,صحيفة « الاتحاد » ومجلّة « الجديد », وعلّم الفنون ورسم الجدرانيّات.وشارك في العديد من المعارض من بينها وما نسينا مع سلمان ناطور.

[