دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
"النبطي" رحلة البحث في المجهول،بقلم محمد الرفاعي
نشر بتاريخ: 2013-05-31

"النبطي" رحلة البحث في المجهول

بقلم: محمد الرفاعي: الروايات التي تثير الكثير من التساؤلات، هي روايات جديرة بالقراءة مرتين، فمن يسافر بين دفتي رواية "عزازيل" للروائي المصري يوسف زيدان التي صدرت عن دار الشروق سنة 2008 سيجد بحرا من المعلومات التي راكمها زيدان على مرّ سنوات طويلة لدرجة تحتاج منا الى سنين طويلة للبحث والتمحيص في المعلومات التي أوردها في الرواية والتي تناولت فترة حرجة من تاريخ الكنيسة بين القرنين الرابع والخامس الميلادي أي زمن انشقاق كنيستي أنطاكيا والاسكندرية حول طبيعة المسيح. من الصفحات الأولى يشدنا زيدان بالرقوق الثلاثين التي حملت سيرة ذاتية للراهب المسيحي المصري هيبا فمن خروجه من أخميم في صعيد مصر الى مدينة الإسكندرية وهروبه منها بعد مقتل العالمة هيباتيا الوثنية علي يد الغوغاء. ثم خروجه إلي فلسطين ولقائه بالقس نسطور الذي أحبه كثيرا وأرسله إلي دير هادئ بالقرب من أنطاكية. وفي ذلك الدير يزداد الصراع النفسي داخل نفس الراهب وشكوكه حول العقيدة، ويصاحب ذلك وقوعه في حب امرأة تدعى (مرتا)، وينهي الرواية برحيل هيبا عن الدير بعد أن تحرر من مخاوفه بدون أن يوضح إلى أين.

بوصلة أخرى في المجهول يتابعها زيدان بإبداع فما حملته "عزازيل" من صراعات الكنيسة ومدارسها ومذاهبها وطوائفها ونفيها للراهب "نستور" أسقف القسطنطينية حتى نجد آثار كنيسته مدفونة في رمال الأنباط في رواية النبطي التي صدرت في تشرين الثاني من العام 2010 عن دار الشروق وتقع في 381 صفحة، حيث واصل فيها زيدان ما بدأه في عزازيل من بحث في أديان المنطقة وصراعاتهم وحروبهم وهزائمهم، وهي استكمال تاريخي عميق للأحداث في تلك المنطقة لتغطي هذه المرة حيزاً جغرافياً أوسع مع أحداث غيّرت وجه المنطقة بأسلوب جذاب وشيق.

والنبطي الذي حلم أن يكون نبياً تبعثر حلمه في رمال الصحراء وهجران أهله وراء الغنائم وتجارة الرقيق والخيول وتشتتهم في بقاع الأرض. والأنباط  شعب عربي قديم سكنوا منطقة جنوب الشام وشمال جزيرة العرب وشبه جزيرة سيناء، اشتغلوا بالتجارة، وفي عصرهم الذهبي كانت عاصمتهم البتراء مدينة مزدهرة. اعتمد اقتصاد الأنباط على تجارة القوافل التي كانت تحمل التجارة ما بين أقاليم المنطقة، الشام ومصر وشبه جزيرة العرب واليمن، وسادوا منطقة خليج العقبة وميناءه أيلة ويظهر ذلك في النقوش التي خلفها التجار الأنباط في الأماكن التي وصلوا إليها.

عبد الأنباط الآلهة العربية المعروفة: ذو الشرى إله الشمس، الذي مثلوه على هيئة حجر أسود، بالإضافة إلى اللات، والعزى، ومناة، وهبل، وفي القرن الرابع ميلادي اعتنقوا الديانة المسيحية.

وما حملته رواية النبطي هو إبحار في عمق الصحراء وتوغل في تاريخ القبائل وامتداد لصراعات لم تحسم ومحاولة لدراسة قبائل الانباط والمحيطين بهم بطريقة مشوقة تحمل كمّاً هائلاً من المعلومات التاريخية من زاوية أخرى، وهي ذات لغة عالية تطرح أسئلة عشنا تفاصيلها من أول كلمة نطقتها "مارية"، فالرواية تبدأ على لسان القبطية مارية أو "ماوية" كما أسمتها أم البنين النبطية من قرية صعيدية قبطية صغيرة في مصر اسمها "كَفر النملة" ورحلتها المُضنية في البحث عن الأسئلة التاريخية والدينية والحضارية.

أبدع زيدان في رواية النبطي في توظيف المرأة كعنصر أساسي في الرواية، سردت بها "ماريّة" حياتها وحياة أهلها وعملهم وكدّهم في الزراعة مقارنة بالبلدة البيضاء التي تقع إلى جانبهم وحياة أهلها الباذخ مقارنة بحياة الفقر الذي يعيشونه وذلك في الفترة الانتقالية بين حكم الفرس لمصر وخروجهم ودخول الروم إليها. هنا يصف زيدان ببراعة الراوي الصراعات المسيحية بطوائفها ومذاهبها المختلفة، حيث تكون ماريَّة في هذه الحياة على مذهب اليعاقبة، وفي هذه المرحلة دلائل مبطنة على الخلافات داخل الكنيسة وليس أوضح من قولها: "لما اقتربت من باب الكنيسة، سمعتهما من ورائه يتجادلان( الكاهن شنوته والراهب باخوم).

- يا أبونا باخوم، قلت لك لا يصح هذا. أنت بذلك تشوش إيمان الناس.

- وما دخل الإيمان بالخشبة.

- لا تقل الخشبة الرب صُلب صُلب...

- ولكني قرأت في كتاب قديم أن الرومان كانوا يصلبون على عمود خشبي ليس له شكل صليب" بعد ذلك رحل الراهب باخوم عن الكَفر.

وينتقل زيدان ببراعة الى رحلة ماريّة من صعيد مصر عبر سيناء وأيلة ووادي عربة للوصول إلى مضارب زوجها النبطي "سلامة" في البتراء، وفي هذا الجزء تبدأ الأخبار تتوارد عن النبي القرشي وديانته الجديدة ومعاركه وانتصاراته، حيث تلتقي القافلة في الطريق بقافلة لـحاطب بن أبي بلتعة القرشي والذي كان يحمل معه جاريتين هدية من حاكم مصر إلى النبي وهما ماريَّة القبطية وأختها سيرين، في هذه الحياة تبدأ العلاقة بين ماريَّة المسيحية وبين ديانة الأنباط (الربَّة اللات وإيل وذو الشَّرى).

وتسرد ماريّة حياتها في البتراء (مركز الأنباط) حيث تصف حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم ومساكنهم ونساءهم ورجالهم وآلهتهم وقلقهم وتوزُّع ولاءتهم، فعائلة زوج ماريَّة موزعة في ديانتها فأخوه الأكبر تديّن باليهودية وزوجها سلامة بالمسيحية وأخوهم الصغير "النبي النبطي" يبحث عن ديانة إيل وأمهم "أم البنين" تطوف كلَّ صباح حول تمثال الربَّة اللات. ويظهر زيدان هذا التشتُّت العميق داخل الأسرة في البحث عن إله.

 وفي هذا الجزء تبرز شخصية "النبيُّ النبطي" كشخصية رئيسة في الرواية كرمز للتيه والضياع والحكمة والتعقل والبلاغة. في الفصل الأخير من الرواية "الخروج"  بدا مفتوحاً على حياة مُبهمة. وفي هذه الرواية أيضا كان الخروج مجهولا ويحمل أسئلة كثيرة وظَفها زيدان بطريقة ذكية.

ولا بد من الإشارة الى بعض الملاحظات الهامة في مضامين الرواية: قراءة التاريخ من زاوية أخرى ورد فعل القبائل على الرسالة النبوية المحمدية، فإخراج اليهود من الجزيرة العربية قوبلت بغضب "اليهوديّ" الأخ الاكبر لسلامة النبطي زوج مارية. كذلك هدم كعبة اللات بالطائف تقرأه الرواية من خلال شخصية "أم البنين" عندما يصلها خبر هدم اللات في الطائف فتبكي بُكاءً شديداً وتقوم بحركات عصبية وانفعالية وتسقط ميِّتة عند صنم اللات التي كانت تطوف حولها. عندما أحضروا آيات القرآن للنبي النبطي قال:"يأتي هذا ويسيل دماء"، بالإضافة الى أخبار زحف المسلمين الى دمشق والعراق وذكر لقادة المسملين أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وقد وظف زيدان الأخبار التي ترد من التجار -والأنباط أهل تجارة- مع القلق والتوتر الذي ساد أرجاء القبيلة. اضطرار الأنباط للخروج في الجزء الأخير من الرواية بقرار من عمر بن العاص ولقائه بمارية وسؤالها عن الكَفر الذي كانت تعيش وذلك قبل فتح مصر. انتقاد "النبي النبطي" لأخويه سلامة ومالك لتدينهما بالدين الجديد لتحقيق مكاسب مالية جديدة من خلال التجارة بالخيول والعبيد.

بالعودة الى "نسطور" الذي ذكر في المقدمة والذي كان له الدور البارز في رواية "عزازيل" نراه هنا في البتراء في الجزء الأخير من حياته بعد نفيه ومحاكمته واتهامه بالهرطقة وهو ما آلت إليه الصراعات الكنسية. العبارة الأخيرة في رواية النبطي عبارة ذات دلالة حيث تقول ماريَّة وهي ترافق القافلة المهاجرة من أرض الأنباط الى الشَّتات: "هل أغافلهم، وهم أصلاً غافلون، فأعود إليه، لأبقى معه، ومعاً نموتُ، ثُمَّ نولدُ من جديدٍ .. هُدهُدين".

تستحق هذه الرواية القراءة مرتين، المرة الأولى لكشف الحقائق والمرة الثانية للتعمق بها ومحاولة معرفة الحقائق التاريخية بتمعن.