دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
عام الجراد،يوميات جندي مقدسي عثماني بعد مئة عام،مراجعة محمد الرفاعي
نشر بتاريخ: 2013-06-07

عام الجراد، يوميات جندي مقدسي عثماني بعد مئة عام

رام الله- محمد الرفاعي- كشفت دراسة أعدها أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت الدكتور سليم تماري في كتاب عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين،صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في العام 2008، عن ظاهرة فريدة في أن يدون جندي عثماني مفكرة يومية لتجربته العسكرية في الجيش النظامي العثماني في فترة كانت تسود فيها الأمية، سجّل من خلالها تأثير الحرب العالمية الأولى "الحرب العظمى" في مجتمعنا الفلسطيني آنذاك، وبقاء هذه المفكرة ونجاتها من التلف والتدمير ووصولها إلينا بعد مئة عام من تدوينها.

عالجت الدراسة التحولات التي أصابت مدينة القدس خلال الحرب العالمية الأولى من خلال اليوميات التي قام بتدوينها العسكري إحسان الترجمان، اليوميات المفقودة منذ سنة 1917 ظهرت فجأة في أرشيف الجامعة العبرية في قسم "الاملاك العربية المتروكة"، حيث يعود تاريخ هذا القسم الى العام 1948 بعد شهرين من احتلال الهاغاناه القدس الغربية. تضمنت ملاحظات الترجمان عن تأثير الحرب في مدينته وإضاءة نسيج الحياة اليومية التي اختفت في طيات الخطاب السياسي القومي، عالم أصوات الشارع العادي من جنود وتجار وباعة متجولين التي ضاعت في ثنايا كتابات النخبة.

وجاءت الدارسة تحت عنوان عام الجراد لأن هجمة الجراد الكارثية على أراضي فلسطين وسورية كانت سنة 1915 والتي اختزلت في الذاكرة الجماعية وارتباط قسوة الطبيعة بالمجاعة والأوبئة وهمجية الحرب والتهجير بحسب الدكتور تماري.

تشكل يوميات إحسان الترجمان صرخة مدوية ضد أخلاقيات الحرب، لكن صاحبها لم يبن موقفه هذا على فكر أيدولوجي يدعو الى السلام، بقدر ما كان تمرداً ضد الأوضاع السياسية التي أدت الى التشرذم الاجتماعي وفقدان الشعور بالاستقرار الذي ساد مدينة القدس قبل الحرب. وينسب كل هذا التدهور – حسب ما ورد في الدراسة- الى هوس القيادة العثمانية التي بالغت في قدراتها العسكرية على حساب الجندي والمواطن العادي. وكانت النتيجة في تصور "إحسان الترجمان" سياسة التطرف القومي والقمع الإثني والذي أدى الى "قلب السياسة على رأسها".

ويشير تماري الى أن إحسان الترجمان الذي ولد ونشأ في باحة الحرم المقدسي سنة 1893 وتجند في الجيش النظامي العثماني في تشرين الثاني 1914، وعند إعلان التفير العام كان عمره 21 عاما، حيث كانت بداية خدمته العسكرية في الظاهرية في قضاء الخليل ثم في نابلس، الى أن استفاد من اتصالات أبيه وأقربائه لنقله الى أركان القيادة العسكرية في القدس، وفي بداية سنة 1915 بدأ الترجمان تدوين أفكاره ونشاطاته اليومية على ضوء الشمعة ليلاً بعد انتهاء الدوام اليومي، عكس أحد أهم لحظات التحول التاريخي في فلسطين؛ وهي نهاية أربعة قرون من الحكم العثماني، وبداية حقبة جديدة مجهولة الهوية آنذاك، عندما أوشك الجيش البريطاني الزاحف من غزة وبئر السبع أن يصل الى القدس، في الوقت الذي كان الأسطول الانكليزي يقصف يافا وحيفا من البحر.

احتوت يوميات الترجمان على جانب آخر هو تفاصيل الحياة الخاصة، حبه لبنت الجيران، زياراته اليومية لمعلمه وزملائه، نمط الحياة المترفة التي كان يعيشها الضابط بينما كان الاهالي يعيشون بالجوع، محاولاته الفاشلة للهروب من الخدمة العسكرية، والانهيار والتفكك الاجتماعي الذي صاحب المجاعة والأوبئة.

كما تتحدث الدراسة عن يوميات أخرى كتبها الملازم ثان محمد الفصيح الذي وُلد ونشأ في مرسين (سنجق الاسكندرية)، حيث تشمل يومياته فارقا كبيرا مع يوميات الترجمان، فمحمد الفصيح انغمس في سياسة الجمهورية التركية الاتاتوركية بينما انحاز الترجمان الى القومية العربية. كما أن الفصيح كان جنديا مثاليا ومقاتلا عنيدا ولم يتردد في استعداده للتضحية بحياته في سبيل السلطان والأمة العثمانية بعكس الترجمان الذي استعان بعلاقاته الاجتماعية ليتهرب من الخدمة على جبهة السويس على الرغم من أن عائلة الترجمان معربة من أصل تركي جاءت فلسطين من منطقة حلب، بينما كانت عائلة الفصيح من أصول عربية مختلطة.

ويَخلُص تماري الى أهمية يوميات الترجمان كما هو الوضع مع يوميات الفصيح وغيرها من يوميات المقاتلين وتميزهما ببعدين: الأول أن مؤلفيهما كانا جنديين عاديين وغير مساءلين تجاه السلطة من خلال آرائهما أو أعمالهما، إلا بالمعنى الأخلاقي الضيق. وثانيا: أن كتاباتهما دوّنت لحظة وقوع الحدث، وبذلك سمحت لنا بأن نستمع الى خطاب ذلك الزمان بلغته، وأن نعيش التجربة، فهي أفكار وأحاسيس لا تشوبها الرقابة الذاتية، ولا تخضع لعملية صوغ في ضوء التجربة الاسترجاعية. كما تُلقي يوميات الحرب أضواء جديدة على التغيرات التي اجتاحت الحياة اليومية في مدن الشرق العربي في نهاية الحقبة العثمانية.

في هذا المنعطف الدرامي تتوقف يوميات الترجمان فجأة، ويُلقي الحادث ظلّاً قاتما على ظروف اختفائه، وخصوصاً في ضوء الرواية المتداولة في أوساط العائلة والتي تقول إن ضابطاً عثمانياً اغتال إحسان قُبيل انسحاب الجيش ودخول الجنرال اللنبي القدس في 9 كانون الاول عام 1917.