دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
بين الدين والمعرفة به بقلم هاني فحص
نشر بتاريخ: 2013-12-25

 

بين الدين والمعرفة به

هاني فحص

في العلوم البحتة أو الدقيقة أو التطبيقية، وحتى العلوم الإنسانية، تكون المعرفة احتمالية أو لا تكون، لأن العلم الحقيقي ينبني على الاحتمال، وهذه الاحتمالية هي السبب الأول في النمو العلمي، أي استمرار البحث عن الحقيقة، وهذه الاحتمالية هي السبب الأول كذلك لنمط العلاقة التي تقوم بين العلماء في حقل علمي بعينه، أو في حقول متصلة أو متواصلة، ما يعني أن المعرفة غير النهائية أو غير اليقينية بالمعنى المطلق، أي اليقينية الآن فقط وتتغير حتماً، هي التي تؤسس الحوار والتكامل بين العلماء، لأن العالم الحقيقي لا بد أن يرى نفسه في العالم الآخر وفي المعرفة الأخرى.. هنا تختلف المعرفة العلمية عن المعرفة الدينية، التي هي معرفة لا بد أن تكون يقينية ونهائية، إلا في المجال الذي يتعامل مع المتغير (الفقه مثلاً) وإن كان مشدوداً إلى ثوابت منهجية (أصول ومبان فقهية وأصولية) إلا أن هناك فرصة دائمة لتحريك هذه الثوابت، لتكون الأحكام منسجمة مع الموضوعات التي يلحقها التغير بحسب ظروف الحياة المتبدلة.. من هنا ولأن المعرفة الدينية يقينية، ولأن اليقين يتعدد، فإن اليقين يقابل اليقين، أي يصارعه أو يتصارع معه، وهذا لا يعني أن ما نطلق عليه تعبير الصراع بشيء من التسامح في الاصطلاح المناسب غائب أو مفقود في العلوم (غير العلم أو العلوم الدينية) ولكنه صراع غير إلغائي، بينما هناك اعتراف بأن السائد في الوسط الفكري الديني الدين مقابل الدين الآخر والمدرسة في مقابل المدرسة الأخرى في الدين الواحد السائد هو الإلغاء المتبادل، وأحياناً يتعدى هذا الإلغاء الفكرة إلى المفكر التكفير وما يترتب ومسلكيات مستفيضة في تراثنا تنفي العنف، فإنها لا تشكل مرجعية ملزمة للجميع، ما دام استقر في وعي العلماء والعارفين بالدين بنسبة أو أخرى، إن القطع حجة على القاطع (أي اليقين أياً كان مصدره وسببه).. وعندما نقول العنف لا نقصد العنف المباشر وحده، بل أيضاً العنف غير المباشر الذي لا يقل إلا قليلاً في قسوته.. ولعل في تكاثر الفضائيات ذات التوجه الديني أو التي تفسح مجالاً واسعاً للخطاب الديني، وما يجري فيها من معارك وإلحاح على اجتثاث الرأي الآخر وقهر الآخر المختلف، دليلاً على أن حالة تبادل الإلغاء التي كانت تتم في فضاءات محلية وتؤدي إلى ما تؤدي إليه من فتن ودماء، قد أصبحت حالة كونية، ما يعدنا أو يتوعدنا بامتداد الفتن إلى كل الأصقاع والأوطان، لتؤسس لحالة من الفرز والضم الاجتماعي الشامل والقاسي والغارق في الدم الحرام.
ليست هذه المسألة خصيصة دينية، أي أنها لا تدخل بالضرورة في تحديد الدين (لا إكراه في الدين)، وإن كانت تدخل في التفكير الديني، أو نمطه السائد، في حين أن الدين، والاسلام تحديداً، يتيح لنا أو يلزمنا بالاتفاق على ضرورة بناء فهم آخر للمعرفة الدينية، تحصيلاً وتداولاً ومرجعيات مختلفة وآليات تحقيق وتحقق. هكذا قرأنا الآية على أنها إنشائية أي تنشئ حكماً أو نهياً عن الإكراه، وإن كان هناك من يلح على قراءتها على أنها إخبارية، أو تقريرية أي أنها تخبرنا على أن الإكراه لم يحصل .. ويفوتهم أو يتجاهلون أن الإكراه قد حصل وهو يحصل من أمثالهم.
وتحميل تبعات هذه الإشكالية للإسلام أو المسيحية، ليس أمراً صائباً، وإن كان التحدي هو كيف نماهي بين الدين وبين معرفتنا بالدين من دون قمع الاختلاف، بل وبالحفاظ على هذا الاختلاف الذي هو شرط معرفي، وفي تقديري أن إلهية المصدر هي التي يجب أن تكون كفيلة برفع الالتباس بين الدين وبين معرفته، حتى لا تبقى المعرفة المختلفة سبباً دينياً لإخراج العارف الآخر من دينه. ذلك لأن المسألة في الأساس، أي المعضلة بتعبير آخر، هي مسألة المعرفة بالدين، وليست مسألة الدين ذاته. وفي تقدير أن النزوع إلى الشمولية أو الكلياتية في المعرفة والحياة، والتي تأتي إلى الدين أو المعرفة الدينية من الخارج، أي من السياسة أو غيرها، هي السبب الأول في نشوء هذه الإشكالية وتعقيدها.. إذن فالانتقال المعرفي من إلهية المصدر إلى الشمولية، أي ترتيب الشمولية على الإلهية، هو الذي ولّد الإشكالية، إشكالية عدم التكامل وتغليب السجال أو الصراع على الحوار، مع العلم أن محاولة إلغاء الصراع للوصول إلى الاتفاق من دون تبصر وتدقيق، يحتاج إلى عنف أشد من عنف الصراع ذاته، وكل حركات التوحيد القسرية مارست عنفاً إضافياً وشجعت النزوع إلى عنف مفتوح على  المزيد


* عن الحياة الجديدة