دار الشروق عمان الاردن،رام الله فلسطين
شريط الأخبار تحضيرا لمعرض الكتاب:وزيرة الثقافة الاردنية تستقبل اتحاد الناشرينرواية "وداعا يا زكرين" تثير في نفس قارئها انفعالات لا يمكن تصور تداعياتهاابو هشهش:بسيسو يجرّب اشكالاً شعرية جديدة في قصيدة النثريحيى يخلف يوقّع رواية راكب الريح في بيروتحجب جائزة احسان عباس للثقافة والابداع لعام 2015 خمس روايات غنية بالمعرفة، ضنينة بالمتعةمحاولة تقدير موقفتعلمت في "فتح"مع الحياة - الصمت والصوم عن الرد فضيلة بقلم فتحي البسمع الحياة - درس اعلان الرئيس وقف اطلاق النار
تعلمت في "فتح"
نشر بتاريخ: 2015-03-21

شهادة نشرت في مجلة سياسات العدد31/2015

عدد خاص:50عاما على انطلاقة الثورة الفلسطينية

 

تعلمت في فتح

فتحي البس

كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما جرى توقيفي أول مرة لتوزيعي منشورات في مخيم عقبة جبر دون أن أعرف محتواها،وفي الخامسة عشرة من عمري عندما شاركت في مظاهرة ضخمة لطلاب المخيمات المحيطة بمدينة اريحا احتجاجا على دخول الاسرائيليين الى قرية السموع و تدمير معظم منازلها وقتل و جرح العشرات كرد على عمليات فدائية موجعة قام بها الفدائيون ضد العدو الصهيوني ...لم أكن أعرف أن الفدائيين هم من فتح ولم أعرف أن حياتي أصبحت رهينة لفدائيي فتح ونشاطاتهم..حتى عندما التقيت أول مرة بفدائيين يستعدون لعبور النهر من مخيم غور نمرين بعد نكسة حزيران وتنقلي بين مخيمات الوحدات والكرك و صولا الى ذلك المخيم البائس القريب من النهر...لأغادره الى مخيم البقعة أيضا بسبب رد العدو الاسرائيلي على عمليات الفدائيين والمواجهة الميدانية الكبرى في معركة الكرامة ،حيث كان قرار الصمود و التصدي في معركة غير متكافئة  هزم فيها العدو لأول مرة ،لأجد نفسي أتدرب على السلاح في معسكر لتدريب الاشبال تابع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولم أفهم ما كان يقدم فيه من أفكار حول هزيمة البرجوازية العربية و جيوشها ..لم اكترث،فقد بلغ القهر اقسى درجاته ،و لبيت نداء التدريب على السلاح الذي و فره ذلك المعسكر.

وعندما سمعت أغنية  للعاصفة تقول :

من قلب الخيمة وليل المنفيين


من ذل الوقفة على باب التموين


فجرنا ثورتنا .. وعلى دربها مشينا


وزمام قضيتنا


هيّو في إيدينا .. في إيدينا


وفرشنا الدم وعدينا


مع شمس الخمسة والستين

 

بدأت أبحث عن "فتح"...فهمت الكلمات و هزت كياني ،فقد عشت ليالي المنفى في الخيمة وولدت في إحداها،وأعتم قلبي كرت التموين و طول الانتظارعلى باب مركز  التموين في برد الشتاء وحر الصيف،لأحصل على بقجة تقيني البرد أو تستر عورتي في صيف الذل و القهر،أو معلبات وغيرها من الطعام، لأن والدي الذي كان من أغنياء الفلاحين في بلدتي الفالوجة،لم يكن قادرا على إعالة عائلة كبيرة بعد أن فقد كل شئ حين سقطت الفالوجة  عام 1949 في ايدي العدو بموجب اتفاقية رودس ،بعد حصار الجيش المصري فيها لعدة أشهر ،وصمود اسطوري ألقي فيها على الفالوجة اطنان من المتفجرات،أهمها ما سمّاه الفلاحون البسطاء انذاك "القيازين"،والتي يعرفها الناس الان باسم "البراميل".

لم التحق بفتح في مخيم البقعة،حيث حصلت على منحة دراسية إلى بيروت صيف 1968،لينتهي بحثي،فأنضم الى فتح في ذلك الصيف.أصبحت "فدائيا" ،واحدا من اولئك الذين بدأوا رحلة طويلة من أجل تحرير فلسطين ،و رددوا ولا زالوا حتى اليوم "ثورة حتى النصر".

 

سردت تجربتي الشخصية بالتفصيل في كتابي "انثيال الذاكرة..هذا ما حصل " ، لكنها تجربة صغيرة ضمن حياة أبطال لهم تجاربهم الخارقة ،الفكرية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية في صفوف "فتح" ، وبالتأكيد ضمن صفوف فصائل الثورة المختلفة .أجد أن الأهم الآن هي مسيرة فتح عبر نصف قرن ،بعض مالها وما عليها.

ويبرز السؤال المحور ،كيف استطاعت :فتح" أن تتصدر الصفوف عند انطلاقتها التي تأخرت سبعة عشر عاما عن تاريخ النكبة عام 1948؟

 

توزع أبناء الشعب الفلسطيني في عدة ساحات لكل منها ظروفها البيئية والاجتماعية والسياسية ،لكنها جميعها ،حرّمت على الفلسطيني الجهر بوطنيته وهويته الفلسطينية ، وفي كل منها،انظمة وأحزاب ،وقوى حددت بحزم أنها تهدف إلى تحرير فلسطين.

توزع أبناء الشعب الفلسطيني بين الولاء لهذه الأنظمة أو الانخراط في الاحزاب والقوى والحركات التي جعلت من التحرير هدفها الاول.

 

تصارعت الانظمة وتوالت الانقلابات والتحالفات والخلافات والصراعات داخلها وبينها،وانضمت الى أحلاف عالمية واقليمية ضمن الحرب الباردة بين الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين من جهة ،و بين الغرب ،بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وانقسمت الانظمة تبعا الى تحالفاتها الى رجعية موالية للغرب أو تقدمية موالية للشرق ،وفلسطين ،كانت دائما الضحية.

أما الاحزاب والقوى و الحركات الأخرى ،فقد أصابها ما اصاب الأنظمة ،وإن كانت في غالبيتها ،قوى معارضة  كما قالت برامجها ،ووجد الفلسطينيون أنفسهم،وسط هذه الحالة،موزعين على كل الولاءات،ظنا منهم أن ذلك يقربهم من برامج التحرير المختلفة....فكانوا وقودا للصراعات ،وإن تبوؤا مراكز قيادية حيثما كانوا في الاحزاب الشيوعية ،أو الاخوان المسلمين،وحزب التحرير،أو في القوى القومية وخاصة حركة القوميين العرب و حزب البعث ،أو الناصريين الذين ألهب الرئيس جمال عبد الناصر مشاعرهم وتقدم الصفوف ليوحد العرب حسب رؤيته للخلاص من الأجنبي وقوى الامبريالية على طريق تحرير فلسطين.

اعتنق الفلسطينيون،إذن، مذاهب فكرية متباينة ،الماركسية والاسلامية والقومية.في كل بيت كان فلسطيني يعتنق احد المذاهب ،وربما وجد في البيت الفلسطيني الواحد كل هذه المذاهب،لكن طليعة فتح،في مرحلة التحضير للانطلاقة،والتي خرجت من رحم كل هذه القوى والاحزاب و المناهج ،وجدت أن هذه الانتماءات والولاءات جعجعة من دون طحن فيما يتعلق بتوق الفلسطينيين الى التحرير و العودة واستعادة الهوية الو طنية الفلسطينية فتداعت للخروج من كل هذه القوى والعمل الفلسطيني الفعلي والجاد من اجل فلسطين،فتوحدت هذه الطليعة في بوتقة "حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح "لتقود مرحلة التحرر الوطني ،في نهج جبهة موحدة للشعب الفلسطيني وقواه ،متخلية عن ولاءاتها السابقة و مشاربها الفكرية المختلفة وتجاوزت الافكار الرومانسية المطروحة انذاك:

الوحدة طريق التحرير ،كما قال القوميون ،لتصبح ،التحرير طريق الوحدة

الاسلام يوحد و يحرر لكن بعد عودة المسلمين إلى رشدهم و سلفهم وأيامهم المجيدة في ظل دول اسلامية،ليصبح إن الاسلام دين غالبية شعبنا،يحضنا على الجهاد الفوري لرفع الظلم عن شعبنا و تحرير أرضنا

الماركسية :انضمامنا الى معسكر الاشتراكية يقوينا ويجهزنا للانطلاق بدعم هذا المعسكر للتحرير،ليصبح أن الأممي لا يمكن أبدا أن يحقق أهدافه إن لم يكن وطنيا مخلصا أولا لقضاياه .

 

للذين اختلفوا مع "فتح" قالت:تعالوا نلتقي على أرض المعركة ،وللذين تساؤلوا عن ايديولوجية فتح أجابت بوضوح :الارض لمن يحررها ،و نظام الحكم يحدده الشعب عندما ينتصر .

 

اطلقت فتح بهذه الرؤية الوطنية الواضحة، رصاصتها في الاول من كانون الثاني  من عام 1965،وبعد هزيمة حزيران عام 1968،اعلنت وبعد شهر من الهزيمة انطلاقتها الثانية،حركة تحرر وطني فلسطيني مستقلة تتبنى حرب الشعب والكفاح المسلح بقيادة "قوات العاصفة" وطرحت لمن يرغب برنامجها السياسي والعسكري وشعاراتها الاولى التي تجاوزت كل المطروح من قبل كل القوى و الانظمة،فالتفت حولها الجماهير العربية وفي طليعتهم جماهير الشعب الفلسطيني ....و خاصة بعد الممارسة الفعلية للكفاح المسلح الذي تألق في معركة الكرامة و ما تلاها من عمليات بشرت بمستقبل واعد و سواعد فلسطينية عربية أكدت على أن فتح قبلتها فلسطين،عربية العمق وعالمية الرؤيا ،تتوافق مع الكل على أن القضية الفلسطينية ،قضية أحرار كل العرب و العالم.

....................

تجسدت رؤية فتح في الخلية الاولى التي ضمتني،.تكونت الخلية من فلسطينيين وعرب ،مسلمين سنة وشيعة و دروز،ومسيحيين من عدة طوائف شاركوا في كل مراحل تطور العمل ،السري والعلني،السياسي والعسكري والاجتماعي و الاعلامي،تناقشوا في كل المذاهب الفكرية وتوحدوا حول هدف التحرير وآمنوا بأن مرحلة التحرر الوطني و قضاياها تقتضي ترتيبا دقيقا للتناقضات ،ومن مثل هذه الخلية،تكوّن خط الجماهير خط الشعب،الذي انبثقت منه السرية الطلابية والكتيبة الطلابية التي تحولت الى كتيبة الجرمق،كواحدة من كتائب العاصفة ،خاضت كل معارك الثورة دفاعا عنها ومنعا لتصفيتها،وتكامل هذا الخط مع كل المنابر داخل فتح وقواتها العسكرية،وانضم اليه عناصر فاعلة لبنانية و عربية.

 

اذن ، انطلقت فتح في ظروف معقدة و صعبة ،و في بيئات جغرافية سياسية طاردة للمشروع الوطني الفلسطيني،رغم احتضان الجماهير لها،وإذ ادركت الانظمة أن فتح عصية على الاحتواء وغدت تقود منظمة التحرير،سارع كل نظام إلى تأسيس فصيل يتبعه،ليكون مؤثرا في احتواء القرار أو توجيهه،ومن أهم تلك الفصائل،الصاعقة التي تأتمر بدمشق وحزب البعث السوري،جبهة التحرير العربية،وتتبع العراق،وجزب البعث العراقي،والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي ضمت عند تأسيسها فصائل عدة تبنت الماركسية اللينينية،وعادت لتنشق لينبثق منها الجبهة الديموقراطية التي انشقت لاحقا ايضا فانتجت "فدا"،والجبهة الشعبية القيادة العامة بقيادة احمد جبريل التي شهدت انشقاقات متلاحقة،وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني،ومن البداية دعم الرئيس عبد الناصر منظمة فلسطين العربية والهيئة العاملة لتحرير فلسطين،ومن المنظمات التي لم تعمر طويلا،كتائب النصر بقيادة الضابط طاهر دبلان،الذي اختلف على فهم دورها،واتهمها البعض بالعمالة لدورها شديد التطرف في أحداث أيلول الأردن ،بينما أشاد البعض بها....

 

خاضت فتح معركة التحرير والاستقلال الوطني خلال الخمسين عاما متحملة أعباء كل التناقضات بين الانظمة وفصائلها ،في بحر متلاطم من الامواج،ولانها ربان السفينة،بالدم و التضحيات قادت معركة أيلول،واحداث جرش و عجلون ،ومعارك تثبيت الوجود الفدائي في لبنان مرورا بحروب التصفية التي خاضتها ضد القوى المتحالفة مع اسرائيل وضد التدخل السوري بالتحالف مع القوى الانعزالية و بضوء اخضر من اسرائيل و امريكا ،وصولا الى الغزو الاسرائيلي عام 1982 بكل قوته العسكرية وفي ظل صمت وتخل كامل من الجميع،الذي انتهى بانتقال منظمة التحرير الى مقرها البعيد في تونس...

تعرضت فتح الى أبشع انواع التهم،وإلى حركات انشقاق دعمتها دول متعددة و حسب المراحل المختلفة من اخطرها انشقاق ابي نضال بدعم من العراق،وفتح الانتفاضة بدعم من سوريا،وانشقاق ابي الزعيم بدعم من الاردن.....كلها في مراحل تاريخية مفصلية كانت فيها فتح بقواها العسكرية والسياسية تحاول الخروج من حقول الغام الانظمة والاعداء،وبما امتلكته من مرونة وعزم واصرار،نجت من التفجير،فعادت الانظمة التي دعمت هذه الانشقاقات الى نسج علاقات ممتازة مع فتح،العصية على التقسيم،والتي لفظت الخارجين عن مشروعها من بين صفوفها دون أن يتركوا في جسمها الصلب إلا ندوبا اندملت...وتتكرر الان محاولات هنا و هناك،ايضا بدعم خارجي واقليمي،لا اظنها ابدا ستنجح.

خلال خمسين عاما من انطلاقتها،تغيرت الخارطة السياسية والتحالفات ووقعت احداث جسام وتحولات ظن الجميع أن سفينة فتح ستغرق في لج ّ امواجها العاتية ،من اهمها ، حرب تشرين 1973،واتفاقية كامب ديفيد التي وقعتها مصر بقيادة السادات،ومرحلة لبنان التي تلتها وانتصار الثورة الايرانية التي بدأ منها الصراع الطائفي والقومي البغيض فنجم عنه الحرب العراقية الايرانية الطويلة والمنهكة،لتنشب الازمة التي عصفت بالامة بغزو العراق للكويت،تلاه الغزو الامريكي للعراق  في ما سمي حرب الخليج الاولى،سقط مباشرة بعدها الاتحاد السوفيتي،وصعود القاعدة و طالبان وما سموه غزوة نييورك عام 2001 بتدمير برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الامريكية فسارعت الولايات المتحدة باحتلال افغانستان والعراق..واشتعل الاقليم بحروب متعددة مدمرة جوهرها حروب طائفية ادواتها محلية واهدافها امبريالية....وكان على فتح أن تحافظ على المشروع الوطني الفلسطيني.

بقيادة ياسر عرفات،الشهيد الرمز،ومن نجا من حرب الاغتيالات من القيادة التاريخية لفتح،وصلت السفينة الى مرفأ مؤقت بعد اتفاقية أوسلو،الى جزء عزيز من فلسطين....وما كان هذا الوصول المؤقت سيحصل لولا الانتفاضة العارمة التي اطلقها الشعب الفلسطيني عام 1987.

بغض النظر عن مواقف الفصائل من اوسلو والكثير من ابناء شعبنا ،عاد مئات الالاف من ابناء الشعب الفلسطيني وانا منهم...وبدأت محاولة بناء مؤسسات دولة نقيضة لبرنامج العدو الصهيوني ،الذي اضمر أن يجعل من أوسلو مصيدة ،فاغتيل اسحق رابين، شريك عرفات في اتفاقية اوسلو ،وانتهز هذا العدو صعود القوى الاسلامية ببرنامجها المختلف ،و عملياتها التي لا تقع ضمن مفهوم حرب الشعب ،ومقتضيات مرحلة التحرر الوطني , فراوغ في التنفيذ ،وانقض على مؤسسات الدولة الخداج التي كلفت السلطة الوطنية الفلسطينية بادارتها،فدمرها بتواطئ مع الولايات المتحدة الامريكية التي عزلت الرئيس الشهيد و تخلى عنه ايضا الجميع ،وانتهت الانتفاضة الثانية بحصار ياسر عرفات في عرينه،فصمد ،فما كان من العدو للخلاص منه الا الاغتيال،فمات شهيدا شهيدا شهيدا كما اعلن اثناء حصاره.

 

خلال خمسين عاما من النضال،انتبهت فتح إلى مصلحة شعبها و حاجاته ،فانشئت اثناء وجودها في قيادة هذا الشعب مؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية...ولا زالت تتحمل اعباء هائلة ،كالعناية بأسر الشهداء والجرحى والأسرى،ورواتب المتقاعدين،ومصاريف العناية بأبناء الشعب الفلسطيني في الوطن و الشتات،الذين دفعوا ثمنا غاليا ليس أقلها ضحايا المجازر المتعددة،وخاصة في تل الزعترو صبرا وشاتيلا،وبالطبع في غزة ..و في مخيم اليرموك...

 

خلال خمسين عاما ،جددت فتح في برنامجها السياسي و خططها و ناورت قيادتها في كل المراحل ،من اعلان الاستقلال،الى قيادة معركة المفاوضات مع عدو لا يضمر الا الشر والقتل والاستيلاء على الارض بالاستيطان....لم تلق مناورات الخلاص الا الشجب و الادانة،فالشعب الفلسطيني مقاوم بطبيعته،ارهقته المناورات و المفاوضات غير المجدية،وأرهقته الحروب الصغيرة التي لا ينتج عنها أي تقدم لصالحه،بينما هو يتحمل كل الخسائر على طريق التحرير،ارهقه انقلاب حماس في غزة والانقسام الذي يجعل من مصير المشروع الوطني الفلسطيني ريشة في مهب الريح لولا ما تبقى من صبر وأمل لدى فتح،قيادة وكوادر،تقود الهجوم الدبلوماسي وتنتقل من الولاية المطلقة لامريكا على الملف الفلسطيني الى رحاب الامم المتحدة ،فتحصل ولاول مرة على اعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 ،و تنضم الى اتفاقات دولية تعترف بالحقوق الفلسطينية وتؤسس لمرحلة معركة كبرى في ميادين عالمية تعرف قيادة العدو أنها ستحاصرها وتهدد غطرستها و تقود لمحاسبتها على كل جرائمها..

 

وصلت فتح بقيادتها للمشروع الوطني الفلسطيني الى ما نحن عليه ،اعتراف وتجسيد للهوية الوطنية الفلسطينية ولتجسيدها في مشروع دولة ناشئة ستحصل حتما على حدود يشعر امثالي من اللاجئين الفلسطينيين أنها ظالمة ...لا يقبلون بها إلا لأن مقتضيات البقاء تفرض ذلك بينما يحتفظون بالحلم الاصلي:العودة الى وطنهم ويتوقعون ان احدا لا يستطيع التفريط بهذا الحق غير القابل للتصرف.

حققت فتح ما استطاعت في ظل الحديث الدائم عن هزالها و ضعفها وخلافاتها وترهل اطرها التنظيمية ،قديما وحديثا.بعض النقد صحيح جدا...لكن القوى التي تستعجل بنعي فتح لا تصيب ابدا فهي عمود البيت اذا سقط،انهار البيت على رؤوس الجميع.

من هذا المنطلق،نجد أن النقد داخل فتح ،من كوادرها،ينطلق اولا وقبل الجميع،عال و مدوّ،يطالب بتصليب تنظيمها وضرورة ان تستمع قيادتها الى صوت هذه الكوادر،كما كان في كل المراحل،فالمستقبل صعب بدون فتح قوية بقيادة ثاقبة البصر،عليها ان تستمر في قيادة السفينة للوصول الى ارض صلبة.

مؤتمرات فتح مستمرة ،تجدد قياداتها وتطمح بنتائج تطمن الشعب الى ان السفينة بلا ثقوب...فقد تلاطمت الامواج منذ المؤتمر السادس ،قرابة خمس سنوات،تحتاج فتح في مؤتمرها السابع أن يزيد التلاحم بين اعضاء اللجنة المركزية وبقية الاطر والكوادر لتظل قادرة على السير بالمشروع الوطني الفلسطيني الى ان يصل الى الحرية و الاستقلال.

 

هل انا في معرض تقويم أداء قائد المرحلة ،الرئيس محمود عباس، واللجنة المركزية؟اذن سأدخل في دوامة طويلة...لكن يحسب للرئيس الفعل الايجابي في الحفاظ حتى اللحظة على وحدة فتح رغم تدخل قوى اقليمية ودولية  وعلى الهجوم الدبلوماسي الذي حقق للفلسطينيين وجودا في دولة فلسطينية في الامم المتحدة قابلة للتحقق بفعل التفاف الشعب الفلسطيني حول المشروع واستمرار مقاومته الشعبية التي تحفظها لهم كل الشرائع كشعب تحت الاحتلال،والمقاومة للاحتلال،مراحل متواصلة،يلجأ فيها الشعب بالتبادلية،مرة بالكفاح المسلح،وأخرى بالعمل السياسي وثالثها المزاوجة بين الاثنتين،وقد تتبدل الادوات بين مرحلة واخرى...لكن كل الوسائل مشروعة لكنس الاحتلال وتحقيق الاستقلال.

 

تبقى فتح،حية باهدافها الوطنية،صمدت خمسين عاما ،وتستمر،طالما لم يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه،وستتجاوز كما السابق،حقول الالغام التي تزرع لها على هذا الطريق.

 

واخلص هنا الى القول أن فتح،سكنتني ستة واربعين عاما من عمرها المديد،كونتني فكريا وسياسيا،اوجعني خلال هذا العمر فقدان احبة عشت معهم الحلوة والمرة،اختلفنا و توافقنا،ولا زلت اختلف واتفق مع اخوتي الذين كرسنا عمرنا من اجل فلسطين ،باعدت بيننا المواقف الايديولوجية ووحدتنا دائما فتح في الهدف الاسمى...

 

تعلمت في فتح أن ابن المخيم ، ليس اكثر من بقية ابناء شعبه تضحية ونضالا،وتعلمت ان الوطنية الفلسطينية ليست نقيضا او بديلا للعروبة ،وأن افكاري و مواقفي التي تعرضت للاختبار على مدى الزمن ،ليست بالضرورة هي الصحيحة،وأن امثال ابو حسن قاسم وحمدي ومروان كيالي و علي ابو طوق وطوني النمس و جورج عسل وجورج تيودوري..الى اخر قائمة طويلة ممن استشهدوا على الدرب ،رغم تباعد الايديولوجيا بيننا،كانوا افضل مني واكثر عطاء و تضحية ،و أن رؤيتي المختلفة عن رؤية بعض من تشاركنا العمر والعمل ،ليست هي الاوضح او الاكثر قابلية للتحقق،لكني هكذا تربيت،في خط الجماهير...خط الشعب،أن الخلاف يغني و يصلب اذا ابتعد عن تهم التخوين والانتهازية وتقسيم الناس بين مناضل و مستسلم ،واذا سرنا على درب ما تربينا عليه على الدوام  :نختلف لكننا لا نخوّن الاخرين بسبب ذلك...عشنا جميعا،لا احد بحث منا عن مكسب أو مغنم،ولفظنا من بين صفوفنا من تجاوز على خطنا الاصيل بالانخراط في محاور اقليمية او عربية وجدنا انها تحرفنا عن اتجاه البوصلة.

 

عاشت فتح في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني

فتحي البس